المناوي

297

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

بينهما غير ممكن ظنّ صادر عن عمى في عين البصيرة ، نعوذ باللّه منه . والعلوم العقلية دنيوية وأخروية . فالدّنيوية كالطبّ والحساب والنّجوم والحرف والصنائع . والأخروية كعلم أحوال القلب ، وآفات الأعمال ، والعلم باللّه وصفاته وأفعاله ، وهما علمان متنافيان . أعني من صرف عنايته إلى أحدهما حتى تعمّق فيه ، فضرب بصيرته عن الأخير على الأكثر . وقال : مهما سمعت أمرا غريبا من أمور الدّين جحده أهل الكياسة « 1 » من سائر العلوم فلا ينفّرنّك جحودهم عن قبولها ، إذ محال أن يظفر سالك طريق الشّرق بما في الغرب . وقال : قد تهبّ رياح الألطاف فتكشف الحجب عن أعين القلوب ، فيتجلّى فيها بعض ما هو مسطور في اللّوح المحفوظ . وقال : ميل أهل التّصوف إلى العلوم الإلهامية دون التعليمية ، ولذلك لم يحرصوا على دراسة العلم وتحصيل ما صنّف المصنّفون ، والبحث عن الأقاويل والأدلّة . وقال : ليس الورع في الجبهة حتى يقطّب ، ولا في الخدّ حتى يصعّر ، ولا في الظّهر حتى يجنأ « 2 » ، ولا في الرّقبة حتى تطأطأ ، ولا في الذيل حتى يضم ، إنما الورع في القلوب . أما من تلقاه ببشر فيلقاك بعبوس ، يمنّ عليك بعمله فلا أكثر اللّه في المسلمين من مثله . وقال : قلب المؤمن لا يموت ، وعلمه عند الموت لا ينمحي ، وصفاؤه لا يتكدّر . وإليه أشار الحسن « 3 » بقوله : التّراب لا يأكل محلّ الإيمان . ووسيلته المقرّبة له إلى اللّه إمّا ما حصّله من نفس « 4 » العلم ، وإمّا ما حصّله من الصفاء والاستعداد لقبوله .

--> ( 1 ) في ( ب ) : الكتاب . ( 2 ) الجنأ : ميل في الظهر ، واحديداب . متن اللغة ( جنأ ) . ( 3 ) في ( أ ) أبو الحسن . ( 4 ) في ( أ ) : نفيس .